الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سَمِعت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين.
تأديب الله عباده بحبس الأمطار:
أيُّها الإخوة الكرام: ذكرت لكم في الخُطبة السابقة، أنَّ السبب الذي حملني على أن أُعالج موضوع زيادة الرزق في خُطبٍ عديدة، هو أنَّ هناك أزمةً عالميةً تجتاح العالم كله،

وأنَّ وعود الله عزَّ وجل فوق الظروف، وفوق الأزمات، وفوق الحوادث الطارئة، وعد الله عزَّ وجل لا بُدَّ واقع، بل إنَّ زوال الكون أهوَن على الله من ألّا يُحقِّق وعوده للمؤمنين، أُذكِّركم ببعض الآيات:
﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا(16) لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا(17)﴾
قد يؤدِّب الله عباده بحبس الأمطار، هذا البلد الطيِّب أحياناً يُنتِج من القمح ما يساوي ستة أضعاف حاجتنا، وأحياناً لا يوجد أمطار أبداً.
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)﴾
ويُقاس عليه القرآن الكريم (لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم) .
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)﴾
وعد الله قائم لكل مؤمن آمن بالله و كفر بالطاغوت:
إيّاكم أن تقنطوا، أزمةٌ في الغذاء عالمية، قد لا تُصدِّقون بعض أسبابها، أنهم الآن يُصنِّعون الوقود من الغذاء، من أجل أن يركب الغني المُترَف طائرةً تتحرك بوقودٍ من الغذاء، من الذُرة، من فول الصويا، من القمح والشعير، يصنعون الوقود للطائرات وللمركبات من غِذاء الفقراء، ألم أقُل لكم من قبل، أنه تمَّ إعدام عشرين مليون رأس غنم في بلدٍ يُعَدّ الأول في تصدير الأغنام، حفاظاً على الأسعار المرتفعة، والعالم يموت من الجوع، ما لم نكفر بالكفر لن نؤمن بالله.
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)﴾

لن تؤمن بالله إلا إذا كفرت بالطاغوت.
أيُّها الإخوة: الحقائق مُرَّةٌ جداً لكنها تُجمَّد وتُعطَّل إذا طبَّقت منهج الله عزَّ وجل، كلامٌ دقيق: الحقائق مُرَّة ليس هناك خبرٌ سار، والعالَم يمشي في اتجاه الحروب، لأنَّ الطُرق أصبحت كلها مسدودة، ارتفاع الأسعار يفوق طاقة الغني فكيف بالفقير؟! لكنني والله أؤمن إيماناً يفوق حدَّ الخيال أنَّ وعد الله قائم، وعد الله قائم لكل مؤمنٍ، والمؤمن له معاملةٌ خاصة، أنا أتمنّى أن يعود الناس جميعاً إلى ربِّهم وهذه بُغيتي والله، أمّا إن لم يستجيبوا، الحد الأدنى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(105)﴾
لذلك كانت هذه السلسلة من الخُطب المُتعلَّقة بأسباب زيادة الرزق، لنواجه بهذه الحقائق ما ينتظره العالَم من أزمةٍ طاحنةٍ، رُبما انتهت إلى حروبٍ لا يعلم مداها إلا الله.
أيُّها الإخوة: الآن السبب الرابع، أمضينا خُطباً عديدة في أسبابٍ عديدة، اليوم السبب الرابع لزيادة الرزق صلة الأرحام، عن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:

(( مَن سَرَّهُ أنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، أوْ يُنْسَأَ له في أثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))
وفي روايةٍ:
(( مَن سَرَّه أن يُمَدَّ لهُ في عُمرِه، ويُزادَ في رِزقِه، فَلْيبرَّ وَالدَيهِ، ولْيصِلْ رَحِمَه ))
هذا الحديث في الصِحاح.
أيُّها الإخوة: حديثٌ آخر: عن عليٍ رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ وَيُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُدْفَعَ عَنْهُ مِيتَةُ السُّوءِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))
[ أخرجه عبدالله بن أحمد في زوائد المسند والبزار في مجمع الزوائد للهيثمي والطبراني في المعجم الأوسط ]
بالدين رأيٌ شخصي لا يوجد، هذا دين الله، كل فكرة طالب بالدليل، أين الدليل؟ هذا كلام سيد الأنبياء.
﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3)﴾
(مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ) أي أن تزداد أعماله الصالحة وكأنه عاش مئةُ عامٍ، (وَيُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُدْفَعَ عَنْهُ مِيتَةُ السُّوءِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) .
(( عَنْ قَسْرَةَ بِنْتِ رُوَاسٍ الْكِنْدِيَّةِ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا قَسْرَةُ، اذْكُرِي اللَّهَ عِنْدَ الْخَطِيئَةِ يَذْكُرْكِ عِنْدَهَا بِالْمَغْفِرَةِ، وَأَطِيعِي زَوْجَكِ يَكْفِيكِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَبِرِّي وَالِدَيْكِ يَكْثُرْ خَيْرُ بَيْتِكِ ))
[ أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة ]
من كانت له أعمالاً طيّبة مع أرحامه زاد الله رزقه:
أيُّها الإخوة: هناك مفارقةٌ قد تكون مُحيِّرة، إنسانٌ معه أعلى شهادة في إدارة الأعمال، يتمتع بذكاءٍ لماح ورزقه محدود، وإنسانٌ آخر بلا عِلمٍ، وبلا ذكاء، وبلا أخذٍ بالأسباب، رزقه وفير، ما تفسير ذلك؟ هذا شيءٌ واقع، قال بعضهم: هؤلاء الذين ازداد رزقهم، لهم أعمالٌ طيِّبة مع أرحامهم، أحد أسباب وفرة أرزاقهم، أعمالهم الطيِّبة مع أرحامهم، دقِّق الآن: ولو كانوا عصاةً، يُجازون على خير عملهم مع أرحامهم، رزقاً وفيراً في الدنيا.

دائماً وأبداً، الله عزَّ وجل حينما يأمر عباده بعملٍ طيِّبٍ، من فعل هذا العمل الطيِّب ابتغاء مرضاة الله، له الدنيا والآخرة، ومن فعله عن طيب قلبٍ ولم يقصد به الآخرة، له الدنيا قطعاً، قال عليه الصلاة والسلام:
(( إنَّ أعجَلَ الطاعةِ ثَوابًا صِلةُ الرحِمِ، حتى إنَّ أهلَ البيتِ لَيكونونَ فَجَرةً، فتَنْمو أموالُهم، ويَكثُرُ عَددُهم إذا تَواصَلوا، وما من أهلِ بيتٍ يَتَواصَلونَ فيَحْتاجونَ ))
[ أخرجه ابن حبان والطبراني ]
الطاعات لها ثمارٌ طيِّبة، ومُعظم ثمارها في الآخرة، إلا أنَّ بعض الأعمال الصالحة شاءت حكمة الله أن يُعجِّل الله ثوابها في الدنيا، منها تربية الأولاد.
﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)﴾
منها صلة الرحم، يقول عليه الصلاة والسلام: (إنَّ أعجَلَ الطاعةِ ثَوابًا صِلةُ الرحِمِ، حتى إنَّ أهلَ البيتِ لَيكونونَ فَجَرةً، فتَنْمو أموالُهم، ويَكثُرُ عَددُهم إذا تَواصَلوا) .
حديثٌ غريب، حقيقة لو لم تكن ملتزماً بأوامر الدين، إيّاكم أن تظنوا أنني أدعو إلى ذلك، لكن هذا قانون، الذي يصِل رحمه، يهتم بأُسرته، بأقربائه، بإخوته، بإخوته البنات، بأولاد عمَّته، بأولاد خالته، يرعى شؤون العائلة الكبيرة، رزقه وفير، بكلام سيدنا محمدٍ عليه أتمُّ الصلاة والتسليم (إنَّ أعجَلَ الطاعةِ ثَوابًا صِلةُ الرحِمِ، حتى إنَّ أهلَ البيتِ لَيكونونَ فَجَرةً، فتَنْمو أموالُهم، ويَكثُرُ عَددُهم إذا تَواصَلوا، وما من أهلِ بيتٍ يَتَواصَلونَ فيَحْتاجونَ) .
من أطاع الله عزَّ وجل بإخلاصٍ ربح الدنيا والآخرة:
قوانين، منهج الله عزَّ وجل منهجٌ موضوعي، لو طبَّقه إنسانٌ غير ملتزم، بل لو طبَّقه مُلحِد لقطف ثماره، ألا ترى فيمَن حولك، إنسانٌ لا يُصلّي لكن عنده عطفٌ على أقربائه، يرعى أخواته البنات، يرعى أولاد خالته، أولاد عمَّته، يهتم بمَن حوله، فيرزقه الله رزقاً وفيراً مكافأةً له.
لذلك قولٌ قرأته من أربعين عاماً فيما أذكُر ولا أنساه أبداً: "ما أحسن عبدٌ من مسلمٍ أو كافر إلا وقع أجره على الله في الدنيا أو في الآخرة" ، مستحيل وألف ألف مستحيل، أن تعمل عملاً صالحاً، كائناً من تكون، مسلم غير مسلم، كافر، مُلحِد، حينما تعمل عملاً صالحاً، لهذا العمل جزاؤه في الدنيا فكيف إذا كنت مؤمناً؟ كنت مؤمناً تعتقد بالآخرة وترجوها:
﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (19)﴾
لذلك حينما تُطيع الله عزَّ وجل بإخلاصٍ لك الدنيا والآخرة، من هُنا: طالب العِلم يؤثِر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثِر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.
من تكفَّل بنفقات من حوله وهبه الله رزقاً وفيراً:
أيُّها الإخوة: عن ابن عباسٍ رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( إنَّ أهلَ البيتِ إذا تَواصَلُوا أجْرَى اللهُ تَعالى عليهِم الرِّزْقَ، و كانُوا في كَنَفِ اللهِ ))

تتفقَّد أُختك زوجها فقير، الوقود ارتفع سعره مثلاً لو تلطَّفت وأكرمتها بمبلغٍ من المال، والله أعرف أُناساً والله لهم رزقٌ يفوق حدّ الخيال، يتفقَّد أخواته البنات، هذه الأُخت زوجها دخله محدود، وعندها عمليةٌ جراحية، يتكفَّل بها، هذا الذي يتكفَّل بنفقات من حوله، الله عزَّ وجل يهبه رزقاً وفيراً، أنا أمام نصوصٍ من عند سيد الخلق وحبيب الحق.
لكن ألا تعجبون أنَّ الغرب البعيد عن الله، المُنحرِف، المعاصي والآثام كلها عنده، ألا تعجبون أنهم في بحبوحةٍ كبيرة؟ هل تُصدِّقون أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أنبأ بذلك! أنا مرةً كنت بأستراليا وسمعت هذه القصة، أنَّ امرأةً أنجبت ثلاثة توائم، الأسبوع انتهى في المستشفى أرادت أن تغادر فمُنِعَت، إنك لا تستطيعين العناية بهذه التوائم، أبقوها شهراً بأكمله حتى درَّبوها على العناية بتوائمها، ثم كلَّفوها أن تعتني بهم وهي في المستشفى ليتأكدوا من ذلك، فلمّا انتقلت إلى البيت زاروها في البيت زياراتٍ دورية، للتأكد من حُسن إدارتها وقيامها بواجباتها تجاه هذه التوائم.
قصةٌ مشابهة تماماً، كنت في جنوب السودان في قريةٍ اسمها جوبا، هذه أقصى قريةٍ في الجنوب، زُرنا مستشفى لا يوجد فيها شيء، امرأةٌ أنجبت ثلاثة توائم ولا يوجد حاضنات، أول طفلٍ مات، لا يوجد حليب في أثدائها من الجوع، ولا يوجد دواء، الأطفال الثلاثة ماتوا، بلدٌ غير مسلمٍ وبلدٌ مسلم، هذه الظاهرة أنا والله لا أمدحهم أبداً، لكن هناك حديثٌ للنبي الكريم يُثير الانتباه، عن عمر بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( تَقُومُ السَّاعَةُ والرُّومُ أكْثَرُ النَّاسِ، فَقالَ له عَمْرٌو: أبْصِرْ ما تَقُولُ، قالَ: أقُولُ ما سَمِعْتُ مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذلكَ، إنَّ فيهم لَخِصالًا أرْبَعًا: إنَّهُمْ لأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وأَسْرَعُهُمْ إفاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ وخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ ويَتِيمٍ وضَعِيفٍ، وخامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وأَمْنَعُهُمْ مِن ظُلْمِ المُلُوكِ ))
الغرب يتحرك بعقله و يُخطِّط لكل شيء أمّا نحن فنتحرك بعواطفنا بلا روية ولا منهج:
نحن إذا مُصوِّر أساء نغضب ونثور ونتحرك بلا رويةٍ وبلا منهجٍ وبلا عِلم، نُقاطع ثم نسمَح بكلماتٍ ساذجة قيلت لنا وانتهى الأمر، نحن نتحرك بعواطفنا، أمّا هُم يتحركون بعقولهم، يُخطِّطون، يُحافظون على هدوئهم لكنهم يُخطِّطون
(إنَّهُمْ لأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وأَسْرَعُهُمْ إفاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ) 
هذه المصائب التي تنزل بالمسلمين، هل صحونا؟ لا والله، هل صحونا من غفلتنا؟ لا والله، هل ترون أيُّها الإخوة ما يحصل في غزة؟ الملاهي، الولائم، الحفلات، والرقص، والغناء، والمحطات الخلاعية على قدمٍ وساق
(إنَّهُمْ لأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وأَسْرَعُهُمْ إفاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ) .
هل عاشرهم النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل التقى بهم؟ هذه من دلائل نبوَّته (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ) .
(وأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ) الشاهد هُنا: (وخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ ويَتِيمٍ وضَعِيفٍ) نحن نفرح بصندوق العافية، إنجازٌ رائع، لكن عندهم الطب كله مجاني، أغلى عملية عشرة ملايين، أحد إخوتنا الكرام اضطُر إلى عمليةٍ كلَّفت عشرة ملايين، له إقامةٌ هناك أجراها مجاناً.
أيُّها الإخوة: أيُّ إنسانٍ بلا دخلٍ يُقدِّم طلباً يأخُذ راتباً شهرياً إلى أن يتأمَّن له دخل (وخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ ويَتِيمٍ وضَعِيفٍ، وخامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ، وأَمْنَعُهُمْ مِن ظُلْمِ المُلُوكِ) .
أنظمتهم الداخلية فيها حرية، هذا وصف مَن؟ وصف رسول الله، ألسنا أَولى بذلك؟ (وخامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ، وأَمْنَعُهُمْ مِن ظُلْمِ المُلُوكِ) .
هذا الكلام ذكَّرني بآيةٍ كريمة:
﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)﴾
الصالحون هُنا أي الصالحون لإدارتها.
الغرب كل إيجابياته إسلامية لا لأنهم يعبدون الله لكن حياتهم هكذا:
لذلك صدِّقوا ولا أُبالغ، أنا زُرت بلاداً غربيةً كثيراً، والله كل إيجابياتها إسلامية، لا لأنهم يعبدون الله لكن حياتهم هكذا، يعتنون بالفقراء، بالأيتام، بالضعفاء، بالمرضى.
موضوع أنَّ طبيباً يغلط مع مريض! زُرت مرةً طبيباً في أمريكا، أطلعني على أضابيرٍ لمرضاه الذين توفوا، قال لي: يجب أن نحتفظ بهذه الأضابير خمس سنوات، لعلَّ صدر منّا خطأ تجاه إنسان توفي، بإمكان أولاده أن يُقيموا دعوى ويربحوها بعد موت أبيهم بخمس سنوات، أحياناً يكون هناك خطأٌ طبيٌ قاتل، يقول لك: ترتيب ربَّك، لا، هناك مسؤولية والدليل:
(( مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ ))
[ أخرجه أبو داوود والنسائي وابن ماجه ]
هذا منهج، أنا أتمنّى أن أوضِّح لكم هذه المُفارقة، على كفرهم، وانحرافهم، وتفلُّتهم، لكنهم يحرصون على ضُعفائهم، ومساكينهم، وأيتامهم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام، والله هذا الحديث لا أفتأ أُكرره:
(( رَأَى سَعْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عنْه أنَّ له فَضْلًا علَى مَن دُونَهُ، فَقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هلْ تُنْصَرُونَ وتُرْزَقُونَ إلَّا بضُعَفَائِكُمْ؟! ))
مساعدة الأقارب والفقراء من آثار صلة الرحم:
إذا أردنا أن ننتصر على أقوى قوةٍ في الأرض ونحن ضعاف، الطريق عجيب، أن تنصُر من هو أضعف منك، الفقير، اليتيم، الضعيف، الذي لا يملِك قوت يومه، المرأة الوحيدة، الشيخ الكبير ذي العيال الكثير والدخل القليل.
<< فاطمة بنت عبد الملك بن مروان زوجة عمر بن عبد العزيز، دخلت عليه فجأةً في مُصلّاه فرأته يبكي، قالت: ما لي أراك باكياً؟ قال: دعيني وشأني، فلمّا ألحَّت عليه قال: ويحك يا فاطمة، إني قد ولّيتُ أمر هذه الأمة، ففكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهول، واليتيم المكسور، والمظلوم المقهور، والغريب، والأسير، والشيخ الكبير، والأرملة الوحيدة، وذي العيال الكثير والرزق القليل، فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً، وأنَّ خصمي دونهم رسول الله، فخفت ألا تثبُت حُجَّتي، فلهذا أبكي >> .
والله أخٌ كريم سمِع لي خُطبةً عن صلة الرحم قبل سنواتٍ، وهو صادقٌ عندي والله، له قريبٌ لا يعرفه، فجاء العيد فسأل عن بيته وذهب لزيارته، ما وجده وضع له بطاقة، قال هذا القريب أخلاقه عالية جداً، رأى قريبه زاره فردَّ له الزيارة، ساكن في بيتٍ تحت الأرض، اتجاهه شمالي، رطوبته عالية، ومع أولاده أمراض مزمنة، قال له: هذا المكان لا يصلُح لك ولأولادك، هو رجلٌ ميسور، قال لي والله أعطاني مبلغاً اشتريت بيتاً في الطابق الثالث باتجاه القبلة، تدخله الشمس إلى أعماقه، هذه من آثار صلة الرحم.
الدين ليس صياماً وصلاة فقط إنما هو صلة رحم ورعاية اجتماعية:
يا أيُّها الإخوة: نحن مُقصِّرون كثيراً، نحن فهمنا الدين صلاة وصوم فقط، وأذكار، واستعلاءٌ على الناس، وتوزيع ألقاب، ما فهمنا الدين عمل، ما فهمنا الدين رعايةً اجتماعية، ما فهمنا الدين صلة رحم، والله هناك أغنياء يتفنَّنون في إنفاق الأموال، والله الذي لا إله إلا هو، ولهم أقرباءٌ يموتون من الجوع، وأنت معك أموالٌ طائلة.
يا إخوان: أحياناً إنسان يُعطي العامل راتباً لا يكفي أربعة أو خمسة أيام، ويُنفِق في اليوم ما ينفقه الفقير بمئة يوم، وهو مرتاح ويُصلّي، ويضع المُصحف في السيارة، وفي المحل يضع على الحائط "إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً" أيُّ فتحٍ هذا؟! كلامٌ فارغ، صار في عندنا صوَرٌ برَّاقة لا تُقدِّم ولا تؤخِّر، والله لو اهتمَّ كل واحدٍ منّا بأقربائه فقط، مَن يلوذون به، لكنّا في حالٍ غير هذا الحال (إنَّ أعجَلَ الطاعةِ ثَوابًا صِلةُ الرحِمِ، حتى إنَّ أهلَ البيتِ لَيكونونَ فَجَرةً، فتَنْمو أموالُهم، ويَكثُرُ عَددُهم إذا تَواصَلوا، وما من أهلِ بيتٍ يَتَواصَلونَ فيَحْتاجونَ) .
الغرب خسر الآخرة بفسقه و المُسلم خسر الدنيا بتقصيره و الآخرة بمعاصيه:
أُعيد على أسماعكم الحديث الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم عن الروم: (تَقُومُ السَّاعَةُ والرُّومُ أكْثَرُ النَّاسِ، فَقالَ له عَمْرٌو: أبْصِرْ ما تَقُولُ، قالَ: أقُولُ ما سَمِعْتُ مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذلكَ، إنَّ فيهم لَخِصالًا أرْبَعًا: إنَّهُمْ لأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وأَسْرَعُهُمْ إفاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، وخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ ويَتِيمٍ وضَعِيفٍ، وخامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ، وأَمْنَعُهُمْ مِن ظُلْمِ المُلُوكِ).
يتحركون بعقولهم لا بعواطفهم الآنيّة، هذه صفاتٌ وصفوا بها من قِبَل سيِّد العناية الإلهية النبي صلى الله عليه وسلم، قوانين عند الله عزَّ وجل، الآخرة خسروها بفسقهم وفجورهم ومعاصيهم، لكنهم ربحوا الدنيا، أمّا المسلمون فاتتهم الآخرة والدنيا، فاتتهم الآخرة بمعاصيهم، طبعاً أقول بالأعمّ الأغلب، والدنيا بتقصيرهم، لا حصّلوا الدنيا ولا حصّلوا الآخرة.
يجب أن نصحو أيُّها الإخوة، لا تقبل أن يكون إسلامك حضور خُطبة الجمعة في المسجد، والله الذي لا إله إلا هو، الدين ليس في المسجد، هُنا تتلقى التعليمات وتقبض الجائزة فقط، الدين في بيتك، عندك امرأةٌ ضعيفة متوفي والدها ووالدتها، تتفنَّن في إذلالها أمام أولادها، وتضربها وتُهينها وأنت مسلم! لك شريكٌ ليس له اسمٌ في الشركة ووثق منك، تُخطِّط أن تُخرجه من الشركة بعدما أخذت خبرته، وتُصلّي في الصف الأول، أنت مسلم؟! ترْكُ دانقٍ من حرامٍ خيرٌ من ثمانين حَجةً بعد الإسلام.
الله عزَّ وجل لا يُحابي أحداً:
سبعمئة ألف دعوى في قصر العدل، أكثرها كيدية، مسلمون؟! مدرسٌ عقد زواجه على فتاةٍ وعنده بيت على الهيكل، وليس معه المال لكسوته ولم يدَع طريقةً لذلك، مضى شهر، اثنين، سنة، سنة وشهران، أهل الفتاة قرروا فسخ العقد لأنه لا أمل، تكلم لأصدقائه عن حاله، أحد الأصدقاء من أصحاب المروءة قال له: عندي بيتٌ فارغ أُعيرك إيّاه إلى أن تكسو بيتك، عاره البيت وتزوج وتمّ العقد وانتهى كل شيء، من ذوقه العالي انتظره أربع سنوات ثم طرق بابه، قال له: ما الذي حصل؟ قال له: والله أنا منذ وقتٍ طويل كسوته وأجَّرته، فقال ما هذا الكلام؟! قال له: أنا ما أجَّرتك البيت أنا أعرتك إيّاه إعارة، قال: أنا مُستأجر وهذا الواقع اذهب وهذه المحاكم، وهو مُدرِّس تربية إسلامية، فوكَّل أحد إخواننا طبيبٌ مُقيم هُنا في الشام ليتوسَّط معه، قال له يا رجُل الصلاة في هذا البيت لا تجوز، قال له أنا أُصلّي في المسجد.
مثل هؤلاء المسلمين يلزمهم قهر، يلزمهم أن يكونوا في الدرجة الدُنيا في الحياة، أنا اعتراضي أنَّ واقع العالم الإسلامي لا يُرضي الله عزَّ وجل أبداً، والدليل:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾
فإن لم يمكنهم معنى ذلك: أنَّ فهمهم للدين، تطبيقهم للدين، عرضهم للدين، لم يُرضِ الله عزَّ وجل، الله عزَّ وجل لا يُحابي أحداً.
بر الوالدين يزيد في الرزق و يبارك في العُمر:
أيُّها الإخوة: وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( تَعَلَّموا من أنسابِكم ما تَصِلُونَ به أرحامَكم، فإن صلةَ الرحِمِ مَحَبَّةٌ في الأهلِ، مَثْرَاةٌ في المالِ، مَنْسَأَةٌ في الأَثَرِ))
(مَنْسَأَةٌ في الأَثَرِ) أي في العُمر.
(( وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لا يردُّ القدرَ إلا الدعاءُ، ولا يزيدُ في العمرِ إلا البرُّ، وإنَّ الرجلَ لَيُحرَمُ الرزقَ بالذنبِ يُصيبُه ))
[ الألباني شرح الطحاوية ]
يعني بر الوالدين يزيد في الرزق.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( ما مِن ذنبٍ أجدَرَ أنْ يُعجِّلَ اللهُ لصاحبِه العقوبةَ في الدُّنيا مع ما يدَّخِرُ له في الآخرةِ مِن البغيِ وقطيعةِ الرَّحمِ))
[ أخرجه أبو داوود والترمذي وابن ماجه وأحمد ]
وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام:
(( إنَّ اللهَ ليُعَمِّرُ بالقَومِ الدِّيارَ، ويُثمِّرُ لهم الأموالَ، وما نظَر إليهِم منذُ خلقَهم بُغْضًا لَهم، قيل: وكيفَ ذاكَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: بصِلَتِهِمْ أرحامَهُم ))
[ أخرجه الطبراني والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان ]
(( وعن عائشة رضي الله عنها، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لها:
إنَّهُ مَن أُعْطيَ حظَّهُ مِنَ الرِّفقِ، فقَدْ أُعْطيَ حظَّهُ من خيرِ الدُّنيا والآخِرةِ، وصلةُ الرَّحمِ، وحُسنُ الخُلُقِ وحُسنُ الجِوارِ، يُعمِّرانِ الدِّيارَ، ويَزيدانِ في الأعمارِ ))
[ الألباني السلسة الصحيحة ]
أعلى صلة رحم أن تأخذ بيد المسلمين إلى الله عزَّ وجل:
أيُّها الإخوة: آخر شيءٍ، إيّاكم ثم إيّاكم ثم إيّاكم أن تفهموا صلة الرحم، أنه جاء عيد الأضحى، نضع البطاقات في الجيب، ونعمل قائمة بالأسماء التي سنزورها، وهو يقول في نفسه: إن شاء الله ما نجده ليس هناك وقت، نطرُق الباب ونضع بطاقةً ونمشي، وانتهى، هذا المعنى السخيف ما جاء به النبي الكريم، صلة الرحم أن تزوره على موعدٍ، أن تجلس إليه، أن تُحادثه، أن تُحاوره، أن تستمع إلى شكواه، كيف وضعه الصحي؟ ولك أصدقاءٌ أطباء، وضعه الاجتماعي، وضعه التربوي، وضعه العلمي، وضعه الاقتصادي، عليه ديون.

أنت إنسانٌ قوي، ودائماً القوي والغني هو الذي يُكلَّف بادئ ذي بدء أن يبدأ بالصلة، أن تُمِدَّه بالمال، أن تضع ابنه عندك في محلك التجاري، وابنه عاطلٌ عن العمل وعبءٌ على أبيه، وأنت عندك مجال لتوظيفه عندك، عندما تُفكِّر أن تزور أقرباءك وتحل مشاكلهم، أحياناً الدينية، عندهم أخطاءٌ كثيرة، دُلَّهم على جامعٍ أنت واثقٌ منه، أعطيهم شريطاً، أو مشكلات اقتصادية بحاجةٍ إلى دعمٍ مالي، أو مشكلات اجتماعية يوجد خلاف بين الأب والأولاد ادخل وسيطاً، ما لم تُفكِّر تفكيراً جاداً بخدمة من حولك، فلا أمل في هذا الدين الذي تعتنقه، ما قدَّم شيئاً، الناس هل يهتمون بصلاتك؟ صلِّ ما تشاء، يهمّهم المُعاملة لهم.
فيا أيُّها الإخوة: تصورت أنَّ صلة الرحم تبدأ باتصالٍ، ثم بزيارةٍ، ثم بتفقُّد، ثم بمساعدة، وأعلى صلة رحم أن تأخذ بيدهم إلى الله عزَّ وجل.
أنا أعرف شخصاً سمِع خُطبة صلة الرحم، فدعا أخواته البنات إلى درسٍ أسبوعي عنده في البيت، أخواته وبنات أخواته، السبب أنَّ إحدى أخواته البنات كانت على خلافٍ مع زوجها، فقدَّم لها مبلغاً من المال مساعدة لها، كي يرأب الصدع بينها وبين زوجها، هذا المبلغ ترك فيها أثراً كبيراً، فطلبت منه درساً أسبوعياً، وهو لا علاقة له بالعِلم الشرعي، لكنه أصبح يدرُس آيةً أو حديث ويشرحهم لأخواته وبنات أخواته، أقسم لي بالله بعد حينٍ، مُعظم بنات إخوته تحجبّنَ والتزمّنَ، هذه صلةُ رحمٍ، اعمل لهم لقاءً أسبوعياً، لقاءً شهرياً، تفقَّد أحوالهم، انظُر لوضعهم المادي، المعنوي، التربوي، الديني، العلمي، الاقتصادي، يمكن أن تكون أنت أقوى فتحل مشكلتهم بتزويج بنتٍ من بناتهم، تحل مشكلتهم بتعيين أحد أبنائهم موظفاً عندك ممكن، هذا العمل.
فيا أيُّها الإخوة الكرام: موضوع صلة الرحم السبب الرابع لزيادة الرزق.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله.
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
الجهل أعدى أعداء الإنسان:
أيُّها الإخوة الكرام: أثناء مراجعتي لما أودعته من قضايا يمكن أن نستفيد منها، قرأت حُكماً أصدرته محكمة الجنايات في حمص، على أحد الدجاجلة بالحبس والأشغال الشاقة لمدة خمسة عشر عاماً، وحَجره وتجريده مدنياً، ماذا فعل هذا الإنسان؟

لا بُدَّ من مقدمةٍ: أحد الأشخاص زوجته جاهلة وتركها جاهلة، منعها من درس عِلمٍ، أخطأت معه لا تعلم حقوق الزوج، فلمّا أخطأت معه أعرض عنها وتوعَّدها أن يتزوج عليها امرأةً ثانية، أو أن يُطلِّقها، خافت وليس لها مصدرٌ ثانٍ، فلجأت إلى بعض الدجاجلة، بعض الدجاجلة أوهموها وابتزّوا مالها واغتصبوها.
القرار بحيثياته تجريم المُتَّهم بجُرم اغتصاب النسوة، وتصويرهن، وابتزازهن، وجرم الاحتيال، وجرم التهديد، والتعرُّض للآداب العامة، هذا الدجَّال اغتصب، وكان يقوم بممارسة الدجَل باسم الدين، ويدَّعي لقاء الأنبياء والصدّيقين والصحابة، وقد استغل ذلك في اغتصاب العشرات من النساء، من محافظات حمص وإدلب واللاذقية ودمشق، وقد ذاع صيت المُتَّهم كواحدٍ من أصحاب الكرامات، هذا الجهل، يجب أن تتعلم الزوجة حقوق زوجها واجباته، وقد ذاع صيت هذا المُتَّهم بمقدرته على الشفاء من الأمراض المُستعصية عبر لقائه المزعوم مع الأنبياء والصحابة، حيث وقعت في شَرَكِه العشرات من النساء وبخاصةٍ المُتدِّينات منهن، وبعضهن بقيَت على قناعةٍ بقدرات المُتَّهم الخارقة، بالتواصل مع الصحابة والأنبياء على الرغم من توقيفه، واعترافه أمام القضاء بالجُرم المُسنَد إليه.
طبعاً هذه القصة حدثت منذ سنتين، أنا أُراجع الأرشيف عندي فوجدت هذه القصة وهي مناسبة جداً، هذا الجهل، يجب أن تتعلم الزوجة، هناك قواعد لو أنَّها أدَّتها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، لكانت أسعد زوجة، تجهل القواعد أساءت لزوجها فأعرَض عنها، هدَّدها بالطلاق أو بزواجٍ ثانٍ، لجأت إلى الدجاجلة، بسذاجة.
العلم بداية الطريق لإصلاح الأُمم وانتصارنا على أعدائنا:
أيُّها الإخوة: الجهل أعدى أعداء الإنسان،

نحن في عندنا أعداء تقليديون، الاستعمار والصهيونية العالمية، أكبر عدوٍّ لنا جهلنا، الجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به،
فإذا أردت الدنيا فعليك بالعِلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعِلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعِلم، والعِلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يُعطِك شيئاً، ويظل المرء عالِماً ما طلب العِلم، فإذا ظنّ أنه قد عَلِم فقد جَهِل. العِلم العِلم، العِلم بداية الطريق لإصلاح الأُسَر، بداية الطريق لإصلاح الأُمم، بداية الطريق لانتصارنا على أعدائنا وما أكثرهم.
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحقّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم هَب لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضنا وارضَ عنّا، أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمِنّا مكرك، ولا تهتِك عنّا سترك، ولا تُنسنا ذِكرك يا ربَّ العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِّ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعز المسلمين، وأذِل الشرك والمشركين، انصُر عبادك المؤمنين في كل مكان، في فلسطين وغزَّة والعراق يا ربَّ العالمين، وفي كل بلدٍ إسلاميٍ مُحتل، وفي شرق الأرض وغربها، وفي شمالها وجنوبها يا ربَّ العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِّ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعز المسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.
الملف مدقق
والحمد لله ربِّ العالمين.