وضع داكن
03-02-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 055 ب - اسم الله العظيم 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  تعريف العظيم:


أيها الإخوة الكرام؛ لازلنا في اسم العظيم، والعظيم هو الذي تعجز العقول عن أن تدرك صمديته، وتعجز الأبصار عن أن ترى سرادقات عزته، العظيم هو الذي لا تهتدي العقول لوصف عظمته، ولا تحيط بكنهه بصيرة، هو الذي ليس لعظمته بداية، أي إنسان يكون فقيراً يصير غنياً، غناه بدأ بالفقر، يكون خاملاً يصير مشهوراً، شهرته بدأت بالخمول، يكون ضعيفاً يصير قوياً، قوته بدأت بالضعف، فهذه المعاني لا تليق بكمال الله وصمديته، أن يكون لعظمته بداية، أسماء الله الحسنى قديمة قِدَم الله عز وجل، هو قديم أزلي أبدي، ليس له بداية وليس له نهاية، لم يسبقه عدم، ولا ينتهي إلى عدم، هو حيّ باقٍ على الدوام، لذلك ليس لعظمته بداية.
 

الله موجود وعظمته في وجوده:


الله عز وجل عظيم في وجوده، الله موجود وعظمته في وجوده، لكن المخلوقات موجودة، الجبل موجود، البحر موجود، السهل موجود، الإنسان موجود، الحيوان موجود، النبات موجود، لكن هذه الموجودات جميعها سبقها عدم، هذه الموجودات جميعها سبقها عدم، وسوف تنتهي إلى عدم:

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)﴾

[ سورة الرحمن ]

لا شيء قبله ولا شيء بعده، هو الحي الباقي على الدوام.
 

الله عز وجل هو الحيّ الباقي على الدوام:


الفناء من صفات الخلق والبقاء من صفات الحق، الحدوث من صفات الخلق والقِدم من صفات الحق، فشتان بين الوجودين؛ بين وجود الحق ووجود الخلق، وجود سبقه عدم وينتهي إلى عدم، وجود حادث، ووجود قديم يستمر إلى أبد الآبدين، الله عز وجل يقول في قرآنه العظيم يُخاطب سيد الأنبياء والمرسلين:

﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30)﴾

[ سورة الزمر ]

والإنسان ميت حُكِم عليه بالموت مع وقف التنفيذ، كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت.

والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر     والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر

[ صالح بن محمد بن عبد الله ]

* * *

و:

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته          يوماً على آلة حدباء محمول

فإذا حملت إلى القبــور جنــازة          فاعـلم بأنك بعدهــا محمـول

[ كعب بن زهير ]

وما من تعريف جامع مانع للإنسان كهذا التعريف الذي قاله الإمام الجليل الحسن البصري: الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه. 
وكل واحد منا أيها الإخوة؛ حينما يستيقظ يجب أن يعلم علم اليقين أن الله سمح له أن يعيش يوماً جديداً، من هنا كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ يقول:

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: إذا قام أحدُكم عن فراشِه، ثم رَجَع إليه، فلْيَنْفُضْه بصَنِفَةِ إزارِه. ثلاثَ مَرَّاتٍ، فإنه لا يَدْرِي ما خَلَفَه عليه بعدَه، وإذا اضْطَجَع فلْيَقُلْ: باسْمِكَ ربي وضعتُ جَنْبِي، وبك أَرْفَعُه، فإن أَمْسَكْتَ نفسي فارْحَمْها، وإن أَرْسَلْتَها فاحْفَظْها بما تَحْفَظُ به عبادَك الصالحينَ. فإذا استيقظ أحدُكم فلْيَقُلْ: الحمدُ للهِ الذي عافانِي في جَسَدِي، ورَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وأَذِنَ لي بذِكْرِه. ))

[ أخرجه الترمذي: خلاصة حكم المحدث: إسناده جيد ]

 

العاقل من عدّ عمره عدّاً تنازلياً لا عدّاً تصاعدياً:


البطولة أن تَعُدّ عمرك عدّاً تنازلياً لا عدّاً تصاعدياً، لا أن تقول: كم بلغت من العمر؟ لا، قل: كم بقي لي؟ لأن الذي تجاوز الأربعين أو الخمسين أو الستين أو السبعين لو قال: كم بقي لي؟ لكان أقرب إلى الحقيقة، فإذا مضى الذي مضى كلمح البصر فالذي بقي يمضي أيضاً كلمح البصر، فإذا هو بين يدي الله عز وجل.

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

[  سورة الحجر  ]

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[ سورة إبراهيم  ]

 

افتقار الإنسان إلى أشياء كثيرة لا يملكها:


أيها الإخوة؛ إلا أن الذي يُضاف إلى ضعف الإنسان فضلاً إلى أنه حُكِم عليه بالموت مع وقف التنفيذ؛ يضاف إلى أن وجوده مفتقر إلى أشياء كثيرة لا يملكها، مفتقر إلى الهواء، مفتقر إلى الماء، مفتقر إلى الطعام، مفتقر إلى زوجة، مفتقر إلى أولاد، مفتقر إلى أشياء كثيرة جداً لا يملك واحداً منها، لذلك وجوده مفتقر إلى إمداد الله له، وإلى إمداد الأشياء له، أي لو منعت عنه الهواء يموت، لو منعت عنه الطعام يموت، لو منعت عنه الزوجة يختلّ توازنه، لو منعت عنه الأولاد يزداد قلقه.

الله عز وجل وجوده عظيم لأنه:

 

1 ـ عظيم في ذاته:

أما الله عز وجل وجوده عظيم لأنه ذاتي، وجوده ذاتي لا يفتقر في وجوده إلى شيء آخر، يحتاجه كل شيء في كل شيء، ولا يحتاج إلى شيء، وهذا من معاني:

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2)﴾

[ سورة الإخلاص ]

وجوده صَمَداني، وجوده ذاتي، لا يتوقف على وجود جهة أخرى. 

2 ـ عظيم في علمه:

الله عظيم في علمه، علم الإنسان في هذا المكان لا يُجَاوِز الجدران، أحياناً يسمع صوتاً، يسمع صوتاً بعد الجدران، أحياناً يشم رائحة بعد الجدران، لكن علمه في النهاية محدود في مكان وزمان وحال، أما علم الله علم تعلّق بكل ممكن، بل عَلِم ما كان وعَلِم ما يكون وعَلِم ما سيكون وعَلِم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
أي شخص على دخل معين مستقيم، يا ترى لو تساءلنا كيف يكون حال هذا الإنسان على مئة مليون؟ هل يبقى يصلي؟ من يعلم؟ الله وحده يعلم:

﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)﴾

[ سورة طه ]

 يعلم ما أظهرته وما أبطنته، يعلم ما أظهرته وما أخفيته، ويعلم ما لا تعلم، لذلك:

﴿ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64)﴾

[  سورة النور ]  

3 ـ عظيم في قدرته:

الله عز وجل عظيم في قدرته:

﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9)﴾

[ سورة الشورى ]

 لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض، تصور إنساناً ينتمي للقوي هل يقلق؟ هل يخاف؟ أنت إذا كنت مع القوي كنت قوياً، وإذا كنت مع الغني كنت غنياً، وإذا كنت مع العليم كنت عالماً، وهذا هو الافتقار إلى الله عز وجل.

ومالي سوى فقري إليك وسيلة             فبالافتقـار إليك فقري أدفع

ومالي سوى قرعي لبابك حيلة             فإذا رددت فأي باب أقرع؟

[ أبو القاسم السهيلي ]

* * *

 

الحكمة من جعل الإنسان ضعيفاً:


الله عز وجل لحكمة بالغة بالغة جعلك ضعيفاً، لماذا؟ من أجل أن تفتقر في ضعفك فتسعد بافتقارك، ولو جعلك قوياً لاستغنيت بقوتك فشقيت باستغنائك، جعلك مفتقراً إليه، لذلك أقول دائماً: إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد مَن فقدك؟ وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟

كن مع الله تر الله مـعـك           واترك الكل وحاذر طمعــك

وإذا أعطاك من يمنعــه؟           ثم من يعطي إذا ما منعـك؟

[ عبد الغني النابلسي ]

* * * 

4 ـ عظيم في قهره:

الله عز وجل عظيم في قهره، يوجد ظلّام، يوجد طغاة، يوجد مستكبرون، متغطرسون، متألهون، الله عز وجل هو الله الواحد القهّار، سبحان من قهر عباده بالموت، سبحان من قهر الأمم الظالمة، قال تعالى:

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)﴾

[ سورة الأعراف ]

كما أن لكل فرد أجل لكل قوم أجل، هذا الأجل ينتهي، وينتهي الطغيان، وينتهي الاستبداد، وينتهي التأله، وينتهي التّكبر:

(( عن أبي هريرة: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ. ))

[ صحيح أبو داود ]

الله عز وجل يقول:

﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)﴾

[ سورة المؤمنون ]

كانوا أمماً قويةً فصاروا أخباراً سطّرها التاريخ. 

5 ـ عظيم في سلطانه:

الله عز وجل عظيم في سلطانه، أي سلطانه يشمل كل مكان، ويشمل كل زمان، ويشمل كل مخلوق، أحياناً الدولة لها سلطان على رعاياها، فإذا فرّ أحدهم والتجأ لدولة معادية فقدت سلطانها عليه، مدير الدائرة سلطانه على موظفيه، فإذا تغيّب أحدهم لا يستطيع إلا أن يقطع راتبه فقط، سلطان الإنسان على الإنسان محدود جداً.
 

الله عز وجل لم يجعل لأحد سلطاناً على أحد فيما يفكر وفيما يعتقد:


بل إن الله سبحانه وتعالى لحكمة بالغة بالغة بالغة لم يجعل لجهة في الأرض سلطاناً على ما تُفَكر به، نراقبك، نسمع كلامك، نسجل عليك حركاتك وسكناتك، أما كيف تفكر هذا شيء لا سلطان لأحد عليك، لك أن تؤمن بالله، ولا يستطيع أحد أن يكشف أنك مؤمن به.

﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)﴾

[ سورة غافر ]

لم يجعل لأحد فيما تفكر وفيما تعتقد وفيما تؤمن سلطاناً عليك.
أرسل أحد الولاة إلى سيدنا عمر رسالة قال فيها: يا أمير المؤمنين إن أناساً اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استرجاعه منهم إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت، أي والٍ من ولاة سيدنا عمر يستأذن أمير المؤمنين أن يعذب إنساناً أو بضعة أشخاص لأنهم اغتصبوا مالاً ليس لهم، وليس يقدر على استخراجه منهم إلا أن يعذبهم حتى يعترفوا، فكان جواب هذا الخليفة العظيم قال له: سبحان الله! وهل تستأذنني في تعذيب بشر؟ أنا تستأذنني أن تُعذب إنساناً؟ وهل أنا لك حصن من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك يُنجيك من سَخَط الله؟ أقم عليهم البينة، معك أدلة، معك مستمسكات، معك إيصال، معك تصريح، معك إقرار، أقم عليهم البينة فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم فادعهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم، وإنْ لم يُقِرّوا فادعهم إلى حلف اليمين، فإن حلفوا فأطلق سراحهم، وايم الله لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم.
ما هذه القنوات العادلة؟! معك مستمسك؟ معك دليل؟ معك بيان؟ معك إقرار؟ معك امتناع عن حلف يمين؟ معك بينة؟ خذهم بالبينة، معك إقرار؟ خذهم بالإقرار، معك امتناع عن حلف اليمين؟ خذهم بالامتناع عن حلف اليمين، أما إذا حلفوا أطلق صراحهم، وايم الله لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم.
 

لا يليق بالإنسان أن يكون لغير الله:


سأل مرة أحد الولاة: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟ بحسب الأحكام الشرعية قال: أقطع يده، قال له: إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسدَّ جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر له حرفتهم، فإن وفرنا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خُلِقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.
أيها الإخوة؛ لا يليق أن يكون الإنسان لغير الله، فإذا كان لغير الله يحتقر نفسه:

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)﴾

[ سورة البقرة ]

إما أن تكون عبداً لله، عبداً للواحد القهّار، عبداً للرحيم، وإما أن تكون عبداً لعبد لئيم، هناك معنى دقيق؛ أحياناً يُعَظِّم الناس إنساناً، يمدحونه، يُثنون عليه، فيبدو عظيماً وهو ليس كذلك، فهذه العَظَمة ليست منه بل من مدح الناس له، الله عز وجل مُنَزّه عن هذا المعنى من معاني العظمة، هو عظيم بذاته، الدليل:

(( عن أبي ذر الغفاري عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فِيما رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أنَّهُ قالَ: يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَن هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَن أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَن كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ؛ ما زَادَ ذلكَ في مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ؛ ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِندِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يا عِبَادِي، إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ. وفي روايةٍ: إنِّي حَرَّمْتُ علَى نَفْسِي الظُّلْمَ وعلَى عِبَادِي، فلا تَظَالَمُوا. ))

[ صحيح مسلم ]

 

الله عز وجل عظمته لا نهائية:


إذاً الله عز وجل عظيم بذاته لا بتعظيم الخلق له، الخلق إن عظّموه أو لم يعظّموه سواء، لذلك قالوا: هناك شيخ شيّخه الزمان، أي عمره مئة عام، يقول لك: شيخ كبير، هذا الشيخ من شيّخه؟ الزمان، وهناك شيخ شيّخه الأقران، أي القبيلة ارتأت أن يكون فلان شيخها، فأول شيخ شيّخه الزمان والشيخ الثاني شيّخه الأقران، وهناك شيخ شيّخه الشيطان، الشعوذة، والسحر، والدجل، هذا شيخ شيّخه الشيطان، وهناك شيخ شيّخه السلطان، وهناك شيخ شيّخه الإعلام، بقي شيخ واحد نرجو الله جميعاً أن نكون معه هو شيخ شيّخه الرحمن.
أيها الإخوة؛ عظمته لا نهائية، وليس في الإسلام من كلمة تُعبّر عن هذه العَظَمة إلا الله أكبر، أي مهما عرفت من عظمته فهو أكبر، مهما عرفت من رحمته فهو أكبر، مهما عرفت من قوته فهو أكبر، مهما عرفت من جلاله فهو أكبر.
 

من عظّم الله تولاه الله ومن عظّم نفسه تخلى الله عنه:


شيء آخر؛ إن عظّمت الله تولاك الله، وإن عظّمت نفسك تخلى عنك، فأنت بين أن تُعظّم الله وبين أن تُعظِّم نفسك، المؤمن أديب يقول لك:الله وفقني، الله أكرمني، الله مكنني، الله زوّجني، الله أعطاني هذا المأوى، الله أعطاني هذه الحرفة، الله عز وجل ألقى محبتي في قلوب الخلق، هذا من فضل الله عليّ، دائماً وأبداً المؤمن يرى فضل الله عليه، المؤمن لا يعيش النعمة بل يعيش المُنعِم، العالم قسمان؛ قسم يعيش مع النعمة، وقسم يعيش مع المُنعِم، فالعالم الكافر يعيش مع النعمة بينما العالم المؤمن يعيش مع المُنعِم.
الآن إذا رأيت الله عظيماً ينبغي أن تُعظِّم ذاته، وأن تُعظِّم أمره، وأن تُعظِّم نهيه:

﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)﴾

[ سورة الحج ]

أن تُعظِّم قرآنه، أن تُعظِّم بيته، أن تُعظِّم أولياءه، أن تُعظِّم المؤمنين، علامة تعظيمك لله تُعظِّم شعائره، تُعظِّم أولياءه، الأولياء بالمعنى القرآني فقط:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾

[  سورة يونس ]

لا يوجد تعريف جامع مانع للولاية إلا التعريف القرآني، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ*الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ .
 

من أدرك عظمة ربه صغُرت الدنيا في عينيه وانتقلت من قلبه إلى يديه:


أدب المؤمن مع العظيم أن تتضاءل نفسه أمامه، أن يشعر بالافتقار إليه، أن الله سبحانه وتعالى تفضّل عليه بكل شيء، أن تذوب نفسه أمام عظمة الله، هذا من أدب المؤمن مع اسم الله العظيم، من أدب المؤمن مع الله العظيم أنه من غلب على عقله تعظيم الله عز وجل خضع لهيبته، ورَضِي بقسمته، ولا يرضى بدونه عوضا، ولا ينازع له اختياراً، ويبذل في رضاه كل مستطاع، لأن من أدرك عظمة ربه صغُرت الدنيا في عينيه وانتقلت من قلبه إلى يديه، فإذا أهمّه أمر قال: يا عظيم فرّج عنا، يا عظيم ارحمنا، يا عظيم انصرنا، أي الأدب الأول مع اسم الله العظيم أن تتلاشى نفسك أمام عظمة الله، وأن تُعظِّم أمر الله ونهيه وشرعه وبيته الحرام وكلامه المقدس العظيم، وأن تُعظِّم أنبياءه ورسله وأولياءه والمؤمنين.
الآن من هو العظيم في نظرك؟ هل هو أصحاب الأموال الطائلة؟ لا، المؤمن الذي عرف الله، لذلك قالوا: دققوا في هذا القول؛ من تعلّم وعمل بما عَلِم ثم علّم الغير فذلك يُدعى في السماء عظيماً، من تعلّم وعمل بما عَلِم وعلّم الآخرين فذلك يُدعى عند الله عظيماً.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور