الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى العظيم:
أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم العظيم.
اسم الله العظيم ورد في القرآن الكريم، ورد منفرداً في قوله تعالى:
﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)﴾
﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)﴾
وقد ورد أيضاً مقترناً باسم الله العلي في موضعين.
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4)﴾
ورد الأمر بالتسبيح باسم الله العظيم:
الآن وقد ورد الأمر بالتسبيح باسم الله العظيم:
﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)﴾
هذا الأمر ورد في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم، موضعان في سورة الواقعة والثالث في سورة الحاقة، فهناك أمر في القرآن الكريم يقتضي أن تُسَبِّح باسم الله العظيم، وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك.
ورود اسم العظيم في السنة المطهرة في كثير من المواضع:
أيها الإخوة؛ وقد ورد هذا الاسم في السنة المطهرة في كثير من المواضع، من هذه المواضع ما أخرجه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
(( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ». ))
(( وفي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. ))
هذه المواضع التي ورد فيها اسم العظيم في الكتاب والسنة.
تعريف العظيم من حيث اللغة:
الآن من حيث اللغة، العظيم صفة مشبهة باسم الفاعل لمن اتّصف بالعظمة، الفعل عَظُم يعظُم عِظَماً، أي كَبُر واتّسع وعلا شأنه وارتفع، ولفلان عظمة عند الناس أي حُرمة يُعَظَّم لها، أعظم الأمر وعظّمه فخّمه، التعظيم التبجيل، العظيمة النازلة الشديدة، المُلِمّة الكبيرة، العظمة الكبرياء، عظمة العبد هنا كِبْره المذموم وتجَبّره، وإذا وُصِف العبد بالعظمة فهو ذم لأن العَظَمة لله في الحقيقة، وعند البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( مَنْ تَعَظَّمَ فِي نَفْسِهِ أَوْ اخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ. ))
العبد عبد والرب رب، شأن العبد التواضع، وشأن الرب أنه عظيم:
(( عن أبي هريرة: قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزاري، فمَن نازعَني واحدًا منهُما، قذفتُهُ في النَّارِ. ))
أية أمة أرادت أن تبني مجدها على أنقاض الآخرين قصمها الله تعالى:
أقول لكم هذه الحقيقة: أية أمة أرادت أن تبني مجدها على أنقاض الآخرين، أنقاض الشعوب، ادّعت العظمة والكبر والاستعلاء والاستكبار والتغطرس، قوم عاد قالوا:
﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15)﴾
الحقيقة أن قوم عاد نموذج للأقوام المستعلية، فقوم عاد تفوقوا في شتى المجالات:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)﴾
تفوقٌ في شتى المجالات ومع التفوق تغطرس: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ مع التفوق تغطرس، وما أهلك الله قوماً إلا وذكّرهم أنه أهلك من هو أشدّ منهم قوة، إلا عاداً حينما أهلكها قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي ما كان فوق عاد إلا الله، وأحياناً تبدو قوة كبيرة جداً معها أسلحة فتاكة، شريرة لا ترى أن فوقها إلا الله، وما أهلك الله قوماً إلا ذكرهم أنه أهلك من هو أشدّ منهم قوة إلا عاداً حينما أهلكها قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ .
تفوق قوم عاد في جميع المجالات:
عاد تفوقت في البنيان:
﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)﴾
تفوق في العمران، تفوق في الصناعة إن صحّ التعبير.
تفوق في القوة العسكرية، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)﴾
﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ* وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ* وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ .
عاد تفوقت علمياً، قال عز وجل:
﴿ وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)﴾
تفوق في البناء، في الصناعة، في القوة العسكرية، في العلم، مع تغطرس، ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ ؟
صفات قوم عاد قد تنطبق بالتمام والكمال على عاد الثانية:
الله سبحانه وتعالى قال:
﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50)﴾
﴿الْأُولَى﴾ ماذا تعني كلمة أولى؟ أنا إذا قلت لك: خذ هذه الدفعة الأولى، أي أن هناك دفعة ثانية، فإذا قال الله عز وجل: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ فكأن الآية تشير إلى أن هناك عاداً ثانية، يعاني العالم منها ما يعاني، على كل أهلكها:
﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6)﴾
بالأعاصير.
﴿ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7)﴾
عاد ماذا فعلت؟
﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11)﴾
سورة الفجر
لم يقل: طغوا في بلدهم، بل ﴿فِي الْبِلَادِ﴾ .
﴿ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)﴾
هناك قصف وهناك إفساد، القصف بالصواريخ والطائرات والإفساد بالأفلام:
﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾
هذه صفات قوم عاد وقد تنطبق بالتمام والكمال على عاد الثانية.
المؤمن الحق من ذكر الله كثيراً:
أيها الإخوة؛ النقطة الدقيقة جداً في هذا الاسم لابد من تمهيد، الله عز وجل يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41)﴾
نحن بالطباعة يوجد عندنا طريقة في إبراز أهمية الكلمة، أحياناً تُلَوّن بلون أحمر، طريقة، أحياناً تُكتب بحرف عريض أسود، أحياناً يوضع تحتها خط للفت النظر إلى أن هذه الكلمة أساسية في الجملة، هي مركز الثقل، لأن المنافق يذكر الله، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142)﴾
فالأمر هنا لا ينصب على الذكر، ينصب على الذكر الكثير: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ فالأمر هنا ينصب على الذكر الكثير.
الإيمان المُنجّي أن تؤمن بالله العظيم:
إذا قال الله عز وجل: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ*ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ*ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ*إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيم﴾ إبليس آمن بالله:
﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)﴾
﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)﴾
﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)﴾
إبليس آمن، الإيمان المنجي أن تؤمن بالله العظيم، أي طالب أمامه أستاذ عريض المنكبين، طويل القامة، جهوري الصوت، هذا الأستاذ ملء سمعه وبصره، لكن هذا الطالب بعيد عن جو الدراسة، يأتي إلى المدرسة خوفاً من أبيه، لا ينتبه إلى الدرس إطلاقاً، ولا يعبأ بكلمات المُدَرّس؛ بل يتلهى، فهذا الطالب مؤمن بوجود هذا الأستاذ لأنه يملأ السمع والبصر، صوت جهوري، وقامة مديدة، منكبان عريضان، لكن هو لا يعبأ لا بدرسه، ولا بكلامه، ولا بما عنده من علم، يتلهى عنه، نقول: هذا الطالب مؤمن بوجود هذا المدرس، لكن ما آمن به أستاذاً عظيماً، أستاذاً عالماً، أستاذاً عنده مبادئ وحقائق مُسعدة، هنا المشكلة: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ .
أي إنسان مقيم على معصية إيمانه لا قيمة له:
لمجرد أن تقول: يا الله، هذا إيمان بالله، أحياناً يقول اللص: يا رب تستر، هو ماذا يفعل؟ يرتكب معصية، يخرق قوانين الله عز وجل، ولكن عنده إيمان أنه إذا الله ستره ستره، يا رب تستر، أحياناً تقول الراقصة: الله وفقها بهذه الرقصة، أحياناً، فهذا إيمان لكن هذا إيمان ليس ينجي، لا يُقدم ولا يُؤخر، لذلك أي إنسان مقيم على معصية إيمانه لا قيمة له إطلاقاً، لا وزن له، كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى به جهلاً أن يُعجب بنفسه، أو أن يُعجب بعمله، أو أن يُعجب بعلمه، حينما تقول: يا الله، ولست مطيعاً له لا تُقِم لهذا الإيمان وزناً، لا تعبأ بإيمانك إطلاقاً:
كل يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
الخط الأحمر تحت عظيم، الحرف العريض الأسود تحت عظيم، ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ .
طريق الإيمان بالله العظيم أن تتفكر في خلق السماوات والأرض:
إذاً ينبغي أن تؤمن بالله العظيم، وطريق الإيمان بالله العظيم أن تتفكر في خلق السماوات والأرض:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾
أي لمجرد أن تخرق منهج الله، لمجرد ألا تُقيم أمر الله، لمجرد أن تعصي الله إياك أن تتوهم أن إيمانك بالله له قيمة، أو له وزن، أو يُنَجّي، الإيمان الذي أراده الله هو الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، هو الإيمان الذي يستدعي أن يراك الله حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك، الإيمان الذي يُعتدّ به، قال تعالى:
﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾
هذا موضع في هذا اللقاء مهم جداً: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ .
الله جلّ جلاله عظيم قدره جاوز حدود العقل:
الله جلّ جلاله عظيم أي أن قدره جاوز حدود العقل، العقول كلها لا يمكن أن تحيط بعظمته، كل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك، وجلّ الله عن تصور كنهه وحقيقته كل وهم، لا يعرف الله إلا الله، حتى سيد الأنبياء والمرسلين هو أعلى بني البشر علماً، لكن علمه لا يمكن أن يكون علماً مطلقاً، علم نسبي، أعلمنا بالله، هكذا قال النبي الكريم:
(( عن عائشة أم المؤمنين صَنَعَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شيئًا فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَنَزَّهَ عنْه قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذلكَ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قالَ: ما بَالُ أقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أصْنَعُهُ؟! فَوَ اللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُهُمْ باللَّهِ، وأَشَدُّهُمْ له خَشْيَةً. ))
فهو العظيم الواسع، الكبير في ذاته وصفاته، عظمة الذات دلّ عليها كثير من النصوص، الله عز وجل كما هي العادة له ذات، وله صفات، وله أفعال، هو عظيم في ذاته، عظيم في صفاته، عظيم في أفعاله، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( عن أبي ذر الغفاري: ما السَّماوات السّبع في الكُرسيِّ إلَّا كحلقةٍ ملقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ، وفضلُ العرشِ على الكُرسيِّ كفضلِ تلك الفلاةِ على تلك الحلقةِ. ))
[ أخرجه ابن أبي شيبة في ((العرش)) : خلاصة حكم المحدث : هذا القدر فقط صح مرفوعاً ]
تصور الصحراء الكبرى فيها حلقة كالخاتم، ((ما السَّماوات السّبع)) السماوات السبع بين الأرض وبين بعض النجوم التي اكتُشفت حديثاً أربع وعشرون مليار سنة ضوئية، والضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر، أي ثلاثمئة ألف كيلو متر بستين بالدقيقة، بستين بالساعة، بأربع وعشرين باليوم، بثلاثمئة وخمسة وستين بسنة، بأربع وعشرين ملياراً، مع أن أقرب نجم ملتهب إلى الأرض عدا الشمس يبعد عنا أربع سنوات ضوئية، ولو أردنا أن نصل لهذا النجم بمركبة أرضية لاحتجنا إلى خمسين مليون عام، لاحتجنا إلى خمسين مليون عام لنصل إلى أقرب نجم ملتهب عدا المجموعة الشمسية، أما هذا النجم الذي اكتُشف حديثاً بعده عنا أربع وعشرون مليار سنة ضوئية، قال تعالى:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76)﴾
﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ ، ((ما السَّماوات السّبع في الكُرسيِّ إلَّا كحلقةٍ ملقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ، وفضلُ العرشِ على الكُرسيِّ كفضلِ تلك الفلاةِ على تلك الحلقةِ)) إذاً كل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك، تلك عظمة الذات.
الله عظيم في ذاته وعظيم في صفاته وعظيم في أفعاله:
أما عظمة الصفات فالله جلّ جلاله له علو الشأن كما قال في كتابه:
﴿ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)﴾
وقال أيضاً:
﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) ﴾
[ سورة مريم ]
أي شبيهاً، وإذا كان عرشه قد وُصِف بالعَظَمة، وخصّ الله هذا العرش بالإضافة إليه:
﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)﴾
والاستواء عليه، واستوى على العرش، فما بالك بعظمة من استوى عليه وعلا فوقه؟! ينبغي أن نعلم أيها الإخوة أن عظمة الله في ذاته، فالله عظيم في ذاته، وعظيم في صفاته، وعظيم في أفعاله، زلزال تسونامي قوته مليون قنبلة ذرية، كن فيكون زل فيزول، هذا الإله العظيم يعصى؟ ألا يخطب وده؟ ألا تُرجى جنته؟ ألا تُخشى ناره؟
﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾
﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6)﴾
من تحدّى خالق السماوات والأرض إنسان أحمق:
الله عز وجل عظيم في وجوده، عظيم في علمه، عظيم في قدرته، عظيم في قهره، عظيم في سلطانه، لما أصدروا نشرة لباخرة أن القدر لا يستطيع إغراقها، وكان على متنها نخبة أغنياء أوروبا، قيمة حلي النساء بالمليارات، هي مدينة عائمة، في أول رحلة لها من بريطانيا إلى بوسطن ارتطمت بجبل ثلجي شطرها شطرين، فقال بعض القساوسة: إن غرق هذه الباخرة درس بليغ من السماء للأرض، وما أكثر العِبَر الآن، نرسل مركبة فضائية نسميها المتحدي، بعد سبعين ثانية تصبح كتلة من اللهب، نرسل بعد خمس سنوات مركبة أخرى نسميها كولومبيا، في طريق العودة تتحطم قبل وصولها للأرض، الإنسان المتأله هو إنسان أحمق، الإنسان المستكبر هو إنسان غبي، فهذا الذي يتحدى خالق السماوات والأرض هو في قبضته، كن فيكون زل فيزول.
عدم استطاعة قوة على وجه الأرض أن تُفسد على الله هدايته لخلقه:
هذا الذي أراد أن يُشَوّه صورة النبي عليه الصلاة والسلام، أنا أشبهه بإنسان أحمق حمقاً لا حدود له، غبي غباءً لا مثيل له، أراد بسذاجة حمقاء أن يطفئ ضوء الشمس ببصقة من فمه، الشمس كانت في كبد السماء وقت الظهيرة فجعل وجهه موازياً لقبة السماء، وبكل عزم بصق نحو الأعلى بصقة، ارتفعت أربعين سنتمتراً ثم ارتدّت على وجهه، وبين وجهه والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وتبقى الشمس في عليائها، وما ضرّ السحاب نبح الكلاب، وما ضرّ البحر أن ألقى فيه غلام بحجر، ولو تحوّل الناس إلى كناسين ليثيروا الغبار على هذا الدين ما أثاروه إلا على أنفسهم، ولن تستطيع قوة على وجه الأرض أن تُفسِد على الله هدايته لخلقه لقوله تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾
الله لن يسمح لجهة في الأرض طاغية أن تكون طاغية إلا ويوظف طغيانها لخدمة دينه:
أية أمة مهما تكن قوية، طاغية، متغطرسة، مستكبرة، مستعلية، أرادت أن تبني مجدها على أنقاض الشعوب، أن تبني غناها على إفقار الشعوب، أن تبني عزها على إذلال الشعوب، أن تبني حياتها على موت الشعوب، أن تبني أمنها على إخافة الشعوب، نجاح خططها هذه الأمة القوية على المدى البعيد يتناقض مع وجود الله، لأن الله عز وجل يقول في الحديث القدسي: ((لْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ)) لذلك الله عز وجل لا يسمح لجهة في الأرض طاغية أن تكون طاغية إلا ويوظف طغيانها لخدمة دينه والمؤمنين من دون أن تشعر، ومن دون أن تريد، وبلا أجر، وبلا ثواب.
أي إنسان لا يُدخل الله عز وجل في حساباته هو إنسان غبي:
كيف أن للأشخاص آجالاً، الإنسان مهما طغى وتجبر لابد من ساعة يموت فيها، وسبحان من قهر عباده بالموت، تماماً كما أن لكل واحد منا أجل:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40)﴾
لابد أن ترجع إلى الله:
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾
كما أن لكل واحد منا أجل دققوا الآن:
﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)﴾
أعطيت فرصة، امتحنها الله فطغت وبغت وتجبّرت وتغطرست فأهلكها الله عز وجل:
﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)﴾
كانت قوة عظمى أصبحت خبراً يُتندر به، وأي إنسان لا يُدخل الله عز وجل في حساباته فهو غبي غباءً لا حدود له، لذلك لا يليق بنا أن نكون لغير الله.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق